أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

قصص نجاح في الباكلوريا : بداد كسيلا من كلية الطب إلى قمة بكالوريا تقني رياضي بمعدل 19.19

قصة نجاح بداد كسيلا: من كلية الطب إلى قمة بكالوريا تقني رياضي بمعدل 19.19 (تجربة شاملة)

في نهاية كل موسم دراسي، تطل علينا نتائج شهادة البكالوريا لتكشف عن قصص نجاح استثنائية، ليس فقط في المعدلات المحققة، بل في حجم الشجاعة والإرادة التي تقف خلفها. قصة اليوم ليست لطالب عادي، بل هي قصة مترشح حر كسر القواعد، وتخلى عن مقعده في كلية الطب والمدرسة العليا للذكاء الاصطناعي، ليتبع شغفه الحقيقي نحو الرياضيات وهندسة الطرائق.

إنه الطالب المتفوق بداد كسيلا من ولاية تيزي وزو، المتحصل على معدل 19.19 كمترشح حر، وهو أعلى معدل على مستوى ولايته، وأعلى معدل في شعبة تقني رياضي (هندسة الطرائق) في بكالوريا 2023. في هذا المقال الشامل، ننقل لكم تجربته بالتفصيل، من منهجية دراسته، إلى مراجعه، وصولاً إلى نصائحه الذهبية لكل مقبل على البكالوريا.

رحلة البحث عن الشغف: من الطب إلى الرياضيات البحتة

بدأ مشوار "كسيلا" الدراسي بامتياز متواصل؛ فمن معدل 8.00 في الابتدائي، إلى 17.81 في المتوسط، ليتألق في ثانوية "تيزي نتلاثة" بمعدلات تفوق الـ 18 في شعبة الرياضيات.

في عام 2020، اجتاز البكالوريا لأول مرة وحصل على معدل 17.85، مما مكنه من الولوج إلى كلية الطب بتيزي وزو. ورغم إعادته للبكالوريا في عام 2021 وتحقيقه لمعدل 18.40 في نفس الشعبة ليواصل دراسة الطب، إلا أن صوتاً داخلياً كان يخبره بأن هذا ليس مكانه.

بعد دراسة الطب، وتجربة أخرى في المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، أيقن "كسيلا" أن ميوله لا تتجه نحو علوم الصحة أو الحاسوب، بل قلبه ينبض بحب الرياضيات البحتة. ولإشباع فضوله القديم بدراسة "هندسة الطرائق"، ترشح لبكالوريا 2023 كمترشح حر في شعبة "تقني رياضي"، ليتوج بالمرتبة الأولى ولائياً بمعدل 19.19.

تنظيم الوقت: "العشوائية المنظمة" سر من أسرار التفوق

خلافاً للنصائح التقليدية التي تفرض جداول صارمة، يعترف "كسيلا" بأنه يميل إلى "العشوائية" والفوضى في الدراسة. طريقته لا تعتمد على الجداول الزمنية المسطرة بالساعات، بل على تحديد الأهداف بوضوح، ثم العمل على تحقيقها في مهلة زمنية كاملة دون تجزئة.

كيف نظم وقته كمترشح حر وطالب جامعي؟ في عام إعادته للبكالوريا (2021 و2023)، كرس "كسيلا" السداسي الأول كلياً لاجتياز امتحاناته الجامعية لضمان انتقاله. ومع حلول شهر أفريل، تفرغ تماماً للبكالوريا. ركز جهوده على المواد الثانوية والجديدة عليه، بينما اعتمد على ذاكرته القوية واستيعابه السابق لمراجعة الرياضيات والفيزياء، مؤكداً أن الاستيعاب الجيد لا يخون صاحبه أبداً.

المنهجية والمراجع: خطة العمل في كل مادة بالتفصيل

لم يكن هذا المعدل الاستثنائي وليد الصدفة، بل جاء نتيجة استراتيجية دقيقة واختيار موفق للمراجع في كل مادة:

1. مادة التكنولوجيا (هندسة الطرائق)

رغم أنها مادة جديدة كلياً عليه، إلا أنه وجدها من أمتع المواد وأكثرها تشويقاً.

  • فهم الدروس: اعتمد بشكل حصري على قناة الأستاذ بروال هاني في اليوتيوب، حيث تابع كل الفيديوهات الخاصة بالدروس لاستيعابها جيداً.
  • حل التمارين: المرجع الأساسي كان كتاب "المغني في هندسة الطرائق" للأستاذ بوطالب إسماعيل، حيث قام بحل جميع تمارينه من الألف إلى الياء لاكتساب أفكار جديدة. وفي المراجعة النهائية استعان بكتاب الأستاذة عقيلة عماري.
  • الأعمال المخبرية: حذر "كسيلا" من حفظها كالببغاء، ونصح بفهمها كتطبيق للدروس، معتمداً على كتاب الأستاذ أقبوج فريد.
  • نصيحة ذهبية: لا تستمعوا لشائعات صعوبة مجال "الديناميكا الحرارية"، فهو يحتاج للتركيز فقط، وتجاهلوا مواضيع البكالوريا ما قبل 2017 لسهولتها المفرطة.

2. مادة الرياضيات (العلامة: 20/20)

الرياضيات هي المادة التي غيّرت مسار حياته. يرى "كسيلا" أن القاعدة الصلبة في الحساب (النشر، التحليل، القوى، الجذور) هي سر التفوق، فمن غير المنطقي البحث عن براهين معقدة بينما يرتكب الطالب أخطاء حسابية بسيطة.

  • المراجع الأساسية: "الكتاب المدرسي" هو المرجع الأول والأهم. التمارين فيه متدرجة وتصل إلى 300 تمرين في المحور الواحد، وقد قام بحلها جميعاً.
  • المراجع الإضافية: كتاب الأستاذ توامي عمر، وسلاسل ثانوية القبة (محند مخبي).
  • توسيع المدارك: لحل أفكار أعمق، كان يحل مواضيع البكالوريا الأجنبية (المغربية والتونسية)، والمواضيع الفرنسية عبر موقع math.fr.
  • نصيحة: احترموا "دستور الرياضيات" بكتابة الروابط المنطقية، الاستدلال بأسماء المبرهنات، والحفاظ على هدوء الأعصاب إذا واجهتكم أسئلة معقدة.

3. العلوم الفيزيائية (العلامة: 20/20)

الفيزياء في السنة الثالثة ثانوي تعتمد بشكل كبير على الرياضيات (الاشتقاق، التكامل، المعادلات التفاضلية). إذا كنت تتقن الرياضيات، فالفيزياء ستكون بمثابة هدية لك.

  • الدروس: اعتمد على كراس طالبة سابقة درّستها الأستاذة "إيجورديكان".
  • التدريب المتدرج: بدأ بكتاب "تأشيرة النجاح" للأستاذ شنايت لأن تمارينه متدرجة وتناسب مرحلة بناء المفاهيم.
  • الأفكار الصعبة: بعد التمكن، انتقل لتمارين الأستاذ عبد القادر قزوري الغنية بالأفكار المعقدة والتي تصقل التفكير. وفي الميكانيك، نصح بفيديوهات الأستاذ أحمد ترير.
  • المنهجية: شدد على ضرورة احترام المنهجية (كتمثيل جهة التيار، التوتر، وتمثيل القوى) لتجنب خسارة النقاط.

4. الفلسفة (العلامة: 19/20)

عكس الكثيرين، يحب "كسيلا" الفلسفة ويعتبرها مادة تصقل التفكير وتضيف للإبداع، وليست "شوكة في البلعوم".

  • المنهجية: يجب فهم المادة بعمق (الإبستمولوجيا، أصل المعرفة... إلخ) وتحليل الدروس ومواقف الفلاسفة وحججهم.
  • المقالات الجاهزة: حذر من ترك المادة لـ "سحب اليناصيب" وانتظار المقترحات.
  • المراجع: سلسلة "الهدى" في الفلسفة، وصفحة الفيسبوك Sakoub Philo للأستاذ يزيد سكوب.
  • نصيحة: أبدعوا في التعبير، تجنبوا التكرار الممل (مثل: قال الفيلسوف كذا وكذا)، وصيغوا المقالات بأسلوبكم الخاص.

5. التاريخ والجغرافيا (العلامة: 19/20)

مادة أحبها بفضل أساتذته في الثانوية (الأستاذ شملول والأستاذة بلقصة).

  • طريقة الدراسة: دمج المصادر (الكتاب المدرسي، كراس القسم، مراجع خارجية) لصنع دروس مفصلة جداً تصل لـ 10 صفحات للدرس الواحد. الفهم كان يسبق الحفظ.
  • التواريخ والشخصيات: بدلاً من حفظ الجداول الصماء، كان يدمج التاريخ والشخصية داخل سياق الدرس (الحدث) ليحفظها معاً بضرب عصفورين بحجر واحد. والمصطلحات تُفهم من سياق السند.
  • اختيار الموضوع: يبتعد دائماً عن مواضيع الجغرافيا التي تطلب "التعليق على الجدول" لصعوبة أخذ العلامة الكاملة فيها، ويفضل مواضيع رسم الأشكال البيانية.

6. الأدب العربي (العلامة: 16.5/20)

برنامج السنة الثالثة ممتع (القضية الفلسطينية، الثورة، الشعر المهجري).

  • ركز على الشعر، ونصح بالإلمام بخصائص المدارس ونزعات الشعراء.
  • المنهجية الذهبية: يقرأ القصيدة 3 مرات؛ الأولى لتحديد المعالم (الشاعر، الموضوع)، الثانية للغوص في المعاني، والثالثة يمسك المسودة ويعيد صياغة القصيدة ونثرها بأسلوبه الخاص وكأنه يشرحها لنفسه. بعد ذلك يقرأ الأسئلة فيجد إجاباتها جاهزة في مسودته.
  • المراجع: مطبوعات الأساتذة حيقون أسامة وخالد حماش.

7. العلوم الإسلامية (العلامة: 18.5/20)

حذر من فخ الحفظ والتكرار الأعمى دون فهم، لأن الأسئلة أصبحت تعتمد على الفهم والاستنتاج.

  • المرجع الأساسي: كتاب الأستاذ جمال مرسلي (يُنصح به لسريعي الحفظ لكونه مفصلاً)، مع ضرورة التأكد من استخدام طبعة العام الحالي لمواكبة التدرجات.
  • الاستعانة بـ "السلسلة الأرجوانية" للأستاذة بوسعادي للمقارنة.

8. اللغات الأجنبية (الفرنسية 19/20 - الإنجليزية 19/20 - الأمازيغية 18.5/20)

  • تعتمد اللغات بشكل كبير على الرصيد المعرفي واللغوي المكتسب مسبقاً.
  • في الفرنسية والإنجليزية، نصح بقراءة النصوص جيداً، واختيار الموضوع الذي يوفر خيارات إجابة أكثر وضوحاً. كما فضل "التعبير الحر" على "Le compte rendu" لمن يمتلكون رصيداً لغوياً جيداً.
  • في الأمازيغية، حذر الناطقين بها من الاغترار بقدراتهم، مؤكداً ضرورة مراجعة قواعد اللغة وقراءة النصوص بتركيز شديد.

آراء المتفوق في قضايا تهم كل طالب

حول الدروس الخصوصية

لم يعتمد "كسيلا" على الدروس الخصوصية طيلة مساره الدراسي، لا في البكالوريا ولا قبلها. يرى أن كل شيء متوفر الآن مجاناً على الإنترنت (يوتيوب، مواقع إلكترونية، منصات تواصل). ويرى أن الاعتماد على الذات كافٍ جداً، محذراً من اختيار أساتذة غير مؤهلين لتقديم دروس الدعم.

حول بكالوريا الأحرار والشائعات

نفى "كسيلا" قطعياً الشائعات التي تتحدث عن ظلم وتهميش المترشحين الأحرار في التصحيح. وأكد من خلال تجربته كمترشح حر مرتين أن علاماته كانت دائماً مطابقة لما كان يتوقعه بناءً على التصحيحات النموذجية للوزارة، ناصحاً الطلاب بعدم الالتفات لهذه الإشاعات والتركيز على دراستهم.

حول شعبة تقني رياضي ومادة العلوم الطبيعية

يعتبر شعبة "تقني رياضي" مشوقة جداً، خاصة مع وجود مادة هندسة الطرائق، ويسهل فيها نيل الامتياز إذا اجتهد الطالب في المواد الأساسية. وتأسف للتهميش الذي تعاني منه الشعبة في الثانويات والجامعات. في المقابل، كطالب سابق في شعبة "الرياضيات"، انتقد وجود مادة "العلوم الطبيعية" فيها، معتبراً إياها مادة تسبب مشاكل في العلامات بسبب منهجياتها المتغيرة والمربكة، مقترحاً استبدالها بمادة "البرمجة والإعلام الآلي" الحقيقية التي تخدم الرياضيات.

نصيحة أخيرة للمقبلين على البكالوريا والمرحلة الجامعية

يختتم بداد كسيلا تجربته برسالة عميقة لكل طالب مقبل على التوجيه الجامعي:

"حددوا أهدافكم مسبقاً، واحترموا رغباتكم وليس رغبات غيركم. لا تكترثوا لمعدل التخصص، مادام هو تخصص أردتموه، وإن كان معدله آخر معدل في الترتيب فاختاروه بشجاعة."

لقد كلفه عدم الاستماع لصوته الداخلي عامين من دراسة الطب والذكاء الاصطناعي، تخصصات لم تكن تلبي شغفه. لكنه استيقظ في النهاية واختار "الرياضيات البحتة" التي تصنع سعادته، مستشهداً بمقولة العالم ألفريد ريني: "إذا كنت حزيناً أمارس الرياضيات لأصبح سعيداً، وإذا كنت سعيداً أمارسها لأبقى كذلك."

البكالوريا ليست نهاية المطاف، بل هي بداية لاكتشاف الذات. وكما ختم كسيلا مقاله بأبيات شعرية محفزة، نختم نحن أيضاً:

تجري الرياح كما تجري سفينتنا ***** نحن البحر ونحن الرياح والسفن إن الذي يرتجي شيئاً بهمته ***** يلقاه لو حاربته الإنس والجن

قليل من الصبر والإبداع يصنع موجة نجاحات نحو المالانهاية.. بالتوفيق لجميع طلبة البكالوريا!

تعليقات